دمقرطة الأمم المتحدة*
ألم يحن الوقت للإصلاح الهيكلي في الأمم المتحدة؟
محمد بالروين
(الجزء 2 من 5)
حاولت في الجزء الأول من هذا المقال تسليط بعض الضوء
على أهم أهداف الأمم المتحدة واهم مؤسساتها،
وفى هذا الجزء سأحاول مناقشة ضرورة الحفاظ على الأمم المتحدة
مع ضرورة إصلاحها بمعالجة أسباب تحول ميزان القوى العالمي.
ضرورة الحفاظ على الأمم المتحدة وإصلاحها
أُنشئت الأمم المتحدة عام 1945, لتحقيق "أمن جماعي"، وتعزيز"سلام عالمي", وبناء "علاقات ودية", والمشاركة في "حل المشكلات" بين الدول بشكل تعاوني وعلى اسس "القيم المشتركة"، (للمزيد راجع: الأمين العام, 1996).
وتُعد الأمم المتحدة منظمة بالغة الأهمية كـ "نقطة اتصال وحوار" عالمية بين الدول. ولكن يمكن القول إنها قد اصبحت، أخيرا، مؤسسة غير فعّالة ديمقراطيًا وعاجزة، وإن مجلس أمنها يُجسد عدم المساءلة والتركيبة غير الديمقراطية، وخصوصا في حالات إساءة استخدام حق النقض (الفيتو) المتكررة من قبل الأعضاء الدائمين، (راجع: قولدستين، 1996).
هذا يدعو إلى ضرورة إجراء إصلاحات ومعالجة أسباب خلل التوازن في القوي العالمية، إذا أردنا الحفاظ على هذه المنظمة والاستفادة منها، ومن أهم الأسباب التي يجب معالجتها الاتي:
التحول في ميزان القوى العالمي
السبب الرئيسي الذي أدى إلى خلل في منظومة الأمم المتحدة، وبالتالي الحاجة إلى الإصلاح، هو التحول الملحوظ في هياكل القوى العالمية منذ عام 1945. فمنذ نشأتها، استندت الأمم المتحدة إلى مبدأ ضرورة الحفاظ على السلام والأمن العالميين كما تصورتهما القوى العالمية المهيمنة آنذاك.
ولكن اليوم، وبعد 80 سنة، أصبح للعالم هياكل ومراكز قوى مختلف تمامًا، ولم تعد عضوية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة انعكاسًا حقيقياً وواضحًا لذلك، وهناك عدد من القضايا التي توضح آثار هذا التغيير لعل من اهمها:
اولاً: التغير السكاني
القضية الاولي التي توضح أسباب التحول الكبير في ميزان القوى تتعلق بـ: "التغير السكاني". فعلى مر السنين، ازداد عدد السكان، وخاصة في الدول النامية، وبذلك لم يعد من الممكن اعتبار بعض الدول الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن دولاً كبيرة من حيث عدد السكان.
فعلى سبيل المثال، يوضح الجدول (1) أن فرنسا وبريطانيا (كعضوين دائمان في مجلس الأمن وتتمتع كل منهما بحق النقض (الفيتو)، يبلغ عدد سكان كل منهما حوالي 69 مليون نسمة، في حين أن هناك 17 دولة أخرى ذات عدد سكان أكبر بكثير لا تتمتع بسلطة مماثلة في هذه المجلس، بالرغم من ان ديباجة ميثاق الأمم المتحدة تبدأ بعبارة:
"نحن، شعوب الأمم المتحدة، الذين نتعهد بالسلام
وحقوق الإنسان والعدالة والتقدم الاجتماعي والاقتصادي
والتسامح وحسن الجوار... قد عزمنا على توحيد
جهودنا لتحقيق هذه الأهداف".
أنظر الجدول الآتي:
|
الجدول (1) |
||
|
عدد سكان دول العالم 2024 |
||
|
الرقم |
الدولة |
السكان |
|
1 |
الهند |
1,450,935,790 |
|
2 |
الصين |
01,408,975,00 |
|
3 |
امريكا |
340,110,990 |
|
4 |
إندونيسيا |
283,487,930 |
|
5 |
باكستان |
251,269,160 |
|
6 |
نيجيريا |
232,679,480 |
|
7 |
البرازيل |
211,998,570 |
|
8 |
بنغلاديش |
173,562,360 |
|
9 |
روسيا |
143,533,850 |
|
10 |
إثيوبيا |
132,059,770 |
|
11 |
المكسيك |
130,861,010 |
|
12 |
اليابان |
123,975,370 |
|
13 |
مصر |
116,538,260 |
|
14 |
الفيلبين |
115,843,670 |
|
15 |
الكونغو |
109,276,260 |
|
16 |
فيتنام |
100,987,690 |
|
17 |
إيران |
91,567,740 |
|
18 |
تركيا |
85,518,660 |
|
19 |
ألمانيا |
83,510,950 |
|
20 |
تايلاند |
71,668,010 |
|
21 |
بريطانيا |
69,226,000 |
|
22 |
تنزانيا |
68,560.160 |
|
23 |
فرنسا |
68,516,700 |
|
مجموع سكان العالم |
8,142,056,450 |
|
|
المصدر: the World Population Data Sheet |
||
فإذا كان الأمر كذلك، لماذا نستمر في السماح لأقلية صغيرة
أن تُملي مصير ما يُقارب من ثماني مليارات نسمة؟
ومع دخولنا القرن الحادي والعشرين، بلغ مجموع عدد سكان الدول الأعضاء الدائمة في المجلس حوالي 2 مليار نسمة، مما ترك أكثر من ثلاث أرباع سكان العالم بدون تمثيل في مجموعة الدول الدائمة. علاوة على ذلك، إذا استثنينا الصين، فسيبلغ مجموع سكان الأعضاء الأربعة الدائمين الآخرين في مجلس الأمن حوالي 620,427,540 مليون نسمة، مما يترك حوالي7,521,628,910 مليار من سكان العالم بدون تمثيل في مجموعة الأعضاء الدائمين. ان هذا التحول السكاني الكبير، يُثير استهزاءً بالجدول (1)، وايضا بعبارة "نحن شعب الأمم المتحدة"، الواردة في ديباجة ميثاقها.
ثانياً: عدم المساواة امام القانون الدولي
القضية الثانية التي توضح أسباب التحول الكبير في ميزان القوى تتعلق بـ: "عدم المساواة امام القانون الدولي". فمن الناحية النظرية، تقوم الأمم المتحدة على مبدأ "الدول متساوية بموجب القانون الدولي". ولكن من الناحية العملية، إن الفرق بين أقوى الدول وأضعفها هائل جدا (للمزيد راجع: واتسن, 1998). هذه الطبيعة غير الديمقراطية للأمم المتحدة هي أحد أسباب هذا التفاوت ويجب تصحيحها.
فعندما كُتب الميثاق عام 1945، كان عدد الدول المستقلة أقل من 40 دولة، بينما اليوم (2025) يوجد 193 دولة مستقلة وكلها أعضاء في الأمم المتحدة. وبالرغم من ان القانون الدولي يستلزم، نظرياً، معاملة جميع أعضاء الأمم المتحدة على قدم المساواة، الا ان في الواقع العملي لا وجود له (راجع: سنو وبراون, 2000).
ثالثاً: اختلال التوازن في التمثيل الجغرافي
القضية الثالثة التي توضح أسباب التحول الكبير في ميزان القوى هو "اختلال التوازن في التمثيل الجغرافي". فالتركيبة الحالية لعضوية المجلس، وخاصة مجموعة الأعضاء الدائمين، تتجه في الغالب نحو أوروبا. فعلى سبيل المثال، يضم الاتحاد الأوروبي، المكون من 27 دولة، عضوين دائمين؛ كما تضم منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، المكونة من 32 دولة، عضوين دائمين؛ وتضم مجموعة الدول المعروفة باسم مجموعة الثماني (G-8) أربعة أعضاء دائمين.
من ناحية أخرى، ضمت دول حركة (ما كان يعرف حتى نهاية ثمانينات القرن الماضي) "دول عدم الانحياز"، والتي بلغ عددها 114 دولة (جميعها من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية)، وكانت تشكل أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، كان لها في المجلس أربعة أعضاء غير دائمين فقط.
وبرغم من ان افريقيا، التي تتكون من 57 دولة، والتي واجهة (ولازالت تواجه حتي اليوم) تحديات عديدة ومُعقدة، الا ان المجلس قد تجاهلها تماما، وكانت (ومازالت) أكثر تضرراً من قرارات هذا المجلس! وذلك لأنها حتى نهاية ستينيات القرن الماضي، كانت مُستعمرة إلى حد كبير من قبل عضوين دائمين (هما: فرنسا وبريطانيا) في مجلس الأمن. (لشرح أكثر راجع: المقال باللغة الانجليزية, 2002).
لهذه الاسباب وغيرها، ينبغي إصلاح المجلس
وأن يشمل الاصلاح التمثيل الجغرافي العادل.
رابعاً: اختلال التوازن في التمثيل الأيديولوجي
القضية الرابعة التي توضح أسباب التحول الكبير في ميزان القوى هو "اختلال التوازن في التمثيل الأيديولوجي". بمعني، اليوم وأكثر من أي وقت مضى، يتضح اختلال التوازن في التمثيل الأيديولوجي جليًا. فعلى سبيل المثال، برغم من ان هناك 57 دولة إسلامية، تمثل ما يُقارب من 2 مليار نسمة، ولكنها دون تمثيل في مجلس الأمن، وبذلك يصبح عرقلة الوصول المتساوي والتمثيل العادل للمسلمين في مجلس الأمن مسألة شرعية وعدالة وضرورية.
وقد يُشكك البعض، في هذا الطلب لاعتقادهم بأن المجتمعات الإسلامية غير متجانسة، وتُصنف تحتها دول مثل تركيا ومصر وإيران والمملكة العربية السعودية وإندونيسيا وباكستان وماليزيا والبوسنية. ومع ذلك، يجب الا يمكن التجانس شرطًا لمنح نظام عقائدي معين عضوية دائمة في مجلس الأمن، إذ لا توجد أي أيديولوجية متجانسة أخرى في العالم.
في الجزء الثالث من هذا المقال
سوف أحاول تسليط بعض الضوء
على أربع قضايا آخري تسببت
في خلل التوازن في القوي العالمية.
يتبع...
والله المستعان.
========
المراجع
* دمقرطة الأمم المتحدة -Democratization of the United Nations
ترجمة مُختصره ومُحدثة لمقالى المنشور في مجلة الشؤون الدولية. المجلد 2، العدد 2 (شتاء 2002)،
الصفحات 40-62 , نشر فرانك كاس، لندن.
ISSN 1475-3553
https://smallpdf.com/file#s=1a6ce6a0-d436-4ab3-9ed1-d33a1c31bf63
SG/SM/5938. 26 March 1996
https://press.un.org/en/1996/19960326.sgsm5938.html
J.S. Goldstein, International Relations (New York: HarperCollins, 1996).
A. Watson, The Practice Outruns the Theory", in B.A. Robertson, International Society and the Development of International Relations Theory (Washington: Pinter, 1998), p. 148.
Donald M. Snow and Eugene Brown, International Relations: The Changing Contours of Power (New York: Addison Wesley Longman, 2000), p. 423.
Security Council Resolutions: 658, 690, 725, 809, 907, 973, 922, 952, 1075, 1083, 1087, 1098. 1102.: 1106. 1118, 1127, 130, 1135, 1149, 1157, 1164, 1176-1180, 1190, 1195, 1202, 1212, 1219, 1221, 1229, 1237 and 1268.
No comments:
Post a Comment