دمقرطة الأمم المتحدة*:
ألم يحن الوقت للإصلاح الهيكلي في الأمم المتحدة؟
محمد بالروين
(الجزء 3 من 5)
حاولت في الجزء الأول من هذا المقال تسليط بعض الضوء
على أهم أهداف الأمم المتحدة واهم مؤسساتها،
وفى الجزء الثاني حاولت مناقشة ضرورة الحفاظ
على الأمم المتحدة مع ضرورة إصلاحها،
ومعالجة قضايا تسببت في
اختلال توازن القوي العالمية.
اما في هذا الجزء سأحاول مناقشة أربع قضايا أخري
تسببت في اختلال توازن القوي العالمية.
خامساً: اختلال التوازن في عملية أتخاد القرار
القضية الخامسة التي توضح أسباب التحول الكبير في ميزان القوى هو "اختلال التوازن في عملية أتخاد القرار". ففي الوقت الذي يتمتع مجلس الأمن بسلطة شبه مطلقة لحل النزاعات ومقاومة العدوان، وامتلاك سلطة تُلزم جميع الدول الأعضاء بقبولها وتنفيذها، بينما الجمعية العامة، التي تتكون من 193 دولة، تقف شبه عاجزة، ولا يمكن أن تأمر اي دولة بفعل أي شيء، وان أصواتها مجرد مناشدات وتوصيات للراي العام العالمي (للمزيد: راجع: مونرو, 1960).
سادساً: حق النقض (الفيتو)
القضية السادسة التي توضح أسباب التحول الكبير في ميزان القوى تتعلق بـ: "حق قرار النقض", وتمكين الأعضاء الخمس الدائمين في مجلس الأمن من الحصول علي حق النقض لأنهم انتصروا في الحرب العالمية الثانية وأنشأوا الأمم المتحدة عام 1945.
لقد تولت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا مقاعد دائمة في مجلس الأمن، تم أضاف الرئيس الأمريكي روزفلت الصين (قبل سيطرة الشيوعيين عليها) أملاً منه في أن تحل محل اليابان كقوة آسيوية رائدة، وأضاف تشرشل فرنسا لأنه أراد منها أن تساعد في تحقيق التوازن مع الاتحاد السوفيتي المتوسع في أوروبا (للمزيد راجع: ميزلر, 1995).
ولو افترضنا انه كان من حق الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن المطالبة بحق النقض لأنهم كانوا المنتصرين في الحرب ويُعتبرون القوى العظمى حينذاك، الا ان هذا الأساس لم يعد قائماً الان. فهناك دول عديدة أخرى اليوم أصبحت أقوى من فرنسا وبريطانيا، ولم يعد من الممكن اعتبار أي منها، على الرغم من امتلاكها القدرة النووية، قوة عظمى.
فهل نستمر في قبول بريطانيا وفرنسا كقوتين عظيمتين،
وان يكون لهما حق الفيتو؟!
وماذا عن ألمانيا واليابان والهند وتركيا وإيران؟
فعلي سبيل المثال، نجد ان ألمانيا واليابان يساهمان، هذه الايام، بمبالغ أكبر في ميزانية الأمم المتحدة من فرنسا وبريطانيا، وان روسيا هي عاشر دولة في سلم المساهمات! انظر الجدول (2) الاتي:
|
الجدول (2) |
|||
|
مساهمات الدول في الميزانية العادية للأمم المتحدة لعام 2025 (مجموع الميزانية 3.7 مليار دولار) |
|||
|
النسبة (%) |
المشاركة بالدولار |
الدولة |
الرقم |
|
22% |
820,000.000 |
الولايات المتحدة الامريكية* |
1 |
|
20% |
685,733,248 |
الصين* |
2 |
|
6.4 |
237,231,585 |
اليابان |
3 |
|
5.3 |
194,851,686 |
المانيا |
4 |
|
3.7 |
136,810,709 |
بريطانيا |
5 |
|
3.6 |
132,251,493 |
فرنسا |
6 |
|
2.6 |
96,296,169 |
ايطاليا |
7 |
|
2.4 |
87,053,380 |
كندا |
8 |
|
2.2 |
80,412,265 |
كوريا الجنوبية |
9 |
|
1.9 |
71,781,915 |
روسيا* |
10 |
|
المصدر: المصدر: موقع الأمم المتحدة 2025. |
|||
من هذا الجدول يتضح ان مجموع ما تدفعه الدول الخمس دائمة العضوية سنوياً لا يزيد عن 51.2%, وإذا استثنينا الصين فان ما تدفعه الدول الأربعة الأخرى لا يزيد عن 31.2% من ميزانية الأمم المتحدة!
ليس هذا فقط، ففي الوقت الذي نجد ان 151 دولة عضواً (من 193 دولة) سددت مساهماتها كاملة لعام 2025, واغلبها من افريقيا وأسيا، لا تزال الولايات المتحدة أكبر دولة مُدينة، حيث تدين بمبالغ كبيرة، وايضا الصين وروسيا لهما ديون غير مسددة. من كل ما تقدم يتضح إن هيكل مجلس الأمن الحالي لا يعكس التغيرات في قواعد القوة الحقيقية، للدول الموجودة الان في الساحة الدولية.
سابعا: اساءة استخدام حق النقض (الفيتو)
القضية السابعة التي توضح أسباب التحول الكبير في ميزان القوى تتعلق بـ: "اساءة استخدام حق النقض (الفيتو)". بمعني ليس منح حق النقض (الفيتو) إجراءً غير ديمقراطي فحسب، بل الأسوأ هو أُساءت استخدامه. فمند تأسيس الامم المتحدة, أي من 1946 الي 2025، بلغ عدد مرات استخدم حق النقض 293 مرة، الجدول (3) يوضح ذلك.
|
الجدول (3) عدد استخدامات حق الفيتو (من 1946 حتى 2025) |
||
|
الدولة |
العدد |
ملاحظات |
|
الولايات المتحدة |
91 |
استخدمت الفيتو بشكل متكرر (أكثر من 10 مرات منذ أكتوبر 2023 لوقف قرارات تدعو لوقف إطلاق النار في غزة!) |
|
الاتحاد السوفيتي (1946 – 1989) |
89 |
استخدمت الفيتو بشكل متكرر لوقف قرارات لمنع انضمام دول جديدة تدعمها الولايات المتحدة. |
|
روسيا (1990 – 2025) |
43 |
استخدمت روسيا الفيتو بشكل متكرر لوقف قرارات تتعلق بجرائم الحرب، والتحقيقات، وإدانة غزوها، وأيضا خلال مشاركتها لحماية حكم الأسد في سوريا. |
|
بريطانيا |
32 |
استخدمت بريطانيا الفيتو لوقف قرارات تتعلق بمصالحها في افريقيا وأسيا. |
|
فرنسا |
18 |
استخدمت فرنسا الفيتو لوقف قرارات تتعلق بمصالحها في افريقيا والشرق الأوسط. |
|
الصين (1973 – 2025) |
22 |
استخدمت الصين الفيتو لوقف قرارات تتعلق بمصالحها في أصدقائها في أسيا والشرق الأوسط. |
|
المجموع |
293 |
|
|
المصدر: قرارات مجلس الامن 1946 الي 2025 |
||
أما فيما يتعلق بدور الجمعية العمومية فقد انحازت خلال العقدين الأولين
من عمر الأمم المتحدة، إلى الولايات المتحدة وبالتالي
لم تكن بحاجة إلى استخدام حق النقض (الفيتو).
ولكن مع تزايد انضمام الدول إلى الأمم المتحدة (مند منتصف ستينات القرن الماضي) وتصويتها في الجمعية العامة، وجدت الولايات المتحدة وبريطانيا أن عدد حلفائهما المقربين لهما والذين تنتخبهم الجمعية العامة لشغل المناصب غير الدائمة في مجلس الأمن يتناقص باستمرار. وكنتيجة لذلك، ولحماية مصالحهما، "وجدت الولايات المتحدة وبريطانيا ضرورة متزايدة لاستخدام حق النقض (الفيتو)" (للمزيد راجع: بابي, 2000).
مند ذلك الحين بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها أصبحوا ينتقدون ما يسمونه "استبداد الأغلبية" الذي شكلته الدول النامية في الجمعية العامة متناسين أغلبيتهم السابقة (خلال الخمسينات وبداية الستينات) في الجمعية العامة واستخدامهم لتلك الأغلبية لتحقيق مصالحهما (لشرح أكثر راجع: مقالنا باللغة الانجليزية, 2002).
فعلى سبيل المثال، عندما صوّتت الجمعية العامة، لأول مرة، في 25 أكتوبر 1971, وبأغلبية 76 صوتًا مقابل 35 صوتًا، على قرار يقضي بضمّ الشيوعيين الصينيين (الصين الان) إلى مجلس الأمن بدلًا من القوميين الصينيين (تايوان)، ندّد سفير أمريكا لدى الأمم المتحدة بالتصويت ووصفه بأنه "لحظة عار" في تاريخ الأمم المتحدة (للمزيد راجع: جيورجى وجوبز, 1955).
المهم في هذا السرد أن جميع حالات النقض (الفيتو) الـ 293 التي استُخدمت بين عامي 1946 و2025 لم تستُخدم لمصلحة تحقيق الاستقرار والسلام في المجتمع الدولي؛ بل أنها استُخدمت لتعزيز مصالح الدول دائمة العضوية، بدلًا من احترام ميثاق الأمم المتحدة الذي أوكل لهم مهمة توفير السلام والأمن العالميين.
ثامناً: الانتقائية وازدواجية المعايير
القضية الثامن والاخيرة، التي توضح أسباب التحول الكبير في ميزان القوى تتعلق بـ: "الانتقائية وازدواجية المعايير". بمعني الى جانب ان امتياز حق النقض (الفيتو) يقوّض مبدأ "المساواة بين الدول"، ويُحدث انقسامات بين الدول الأعضاء بسبب الانتقائية وازدواجية المعايير في استخدامه، وهذه التصرفات لم تقوّض الأمن الجماعي فحسب، بل شككت في مصداقية المنظمة نفسها.
فعلي سبيل المثال، يمكن للمرء ان يسأل:
أين كان مجلس الأمن عندما كانت رواندا في حالة فوضي واضطراب؟!
وأين كان مجلس الأمن عندما غزت امريكا وحلفائها افغانستان؟!
وأين كان مجلس الأمن عندما دمرت امريكا وحلفائها العراق؟!
وأين كان مجلس الأمن عندما اقتحمت اسرائيل اخيراً غزة وارتكبت
أبشع الجرائم والانتهاكات؟!
ففي الوقت الذي كانت الإبادة الجماعية تحدث في رواندا، وقُتل فيها أكثر من نصف مليون شخص، كان مجلس الأمن يناقش مشكلة لوكربي، مع ان قضية لوكربي (ضد ليبيا) ما كانت لتُحال للأمم المتحدة لولا إصرار الولايات المتحدة كطرف مُهتم بهذه القضية. فقد تم تفجير العديد من الطائرات قبل مأساة لوكربي دون أن يُبدي مجلس الأمن أي اهتمام بها (للمزيد راجع: الجمعية العمومية, 1995).
وفي الوقت الذي كانت الإبادة الجماعية والجرائم الوحشية تحدث في غزة، كان جُل اهتمام الولايات المتحدة وحلفائها منصب على العدوان الروسي على أكرانيا؟! والأسوأ من ذلك ان الولايات المتحدة استخدمت حق النقض في مجلس الأمن 10 مرات لحماية إسرائيل والدفاع عنها! (لشرح ومعرفة امثلة أكثر عن ازدواجية المعايير راجع: مقالنا باللغة الانجليزية, 2002).
في الجزء الرابع من هذا المقال
سوف أحاول تسليط بعض الضوء
على المحاولات السابقة لإصلاح الأمم المتحدة،
ولماذا كلها فشلت.
يتبع ...
والله المستعان.
=======
المراجع
* دمقرطة الأمم المتحدة -Democratization of the United Nations
ترجمة مُختصره ومُحدثة لمقالى المنشور في مجلة الشؤون الدولية. المجلد 2، العدد 2 (شتاء 2002)،
الصفحات 40-62 , نشر فرانك كاس، لندن.
ISSN 1475-3553
https://smallpdf.com/file#s=1a6ce6a0-d436-4ab3-9ed1-d33a1c31bf63
Stanley Meisler, The United Nations: The First Fifty Years (New York: Atlantic Monthly Press; 1995).
D.S. Papp, Contemporary International Relations: Frameworks for Understanding (Boston: Allyn and Bacon, 1997); KA. Mingst and M.P. Karns, The United Nations in the Post-Cold War Era (Boulder: Westview Press, 2000)
A. Gyorgy and H. Gibbs, Problems in International Relations (New Jersey: Prentice Hall, 1955), p. 219.
General Assembly 9015, 1995. The two suspects in the case were surrendered by the Libyan government and
No comments:
Post a Comment