الظاهرة القُرمطية
بين الأمس واليوم؟!
د. محمد بالروين
القرامطة هم جماعة سياسية ظهرت في القرن التاسع الميلادي، بزعامة حمدان بن الأشعث الملقب بـ "قُرمط"، تبنّت عقيدة سياسية واجتماعية غريبة ومتطرفة، ونجحت في تأسيس دولة فيما يعرف الآن بالبحرين وما حولها.
أدعى أعضاءها أنهم (مسلمون)، ولكن في الحقيقة كانت أعمالهم وسلوكياتهم مخالفة تماماً لأحكام الإسلام. بمعني آخر، لقد تعمدوا إخفاء ما كانوا يؤمنون به للاندماج في المجتمع والدعوة لأفكارهم المتطرفة والخبيثة.
فمن معتقداتهم، على سبيل المثال، أن الجنة هي النعيم في الدنيا وأن العذاب هو اشتغال الناس بالصلاة والصيام والحج والجهاد. وبعد أن أسسوا دولتهم في البحرين قاموا بضم عُمان (وكانت الإمارات جزء منها)، وبعد ذلك حاولوا، مراراً عديدة، السيطرة على الكوفة والبصرة ولكنهم فشلوا.
وبالإضافة إلى عقيدتهم الإلحادية، اشتهروا بأعمال العنف والغزو ونشر الفوضى في كل مكان ذهبوا ليه، واستطاعوا هزيمة العباسيين في معارك عدة، وأجبروهم على إبرام صلح مقابل دفع فدية سنوية كبيرة.
هذا الصلح شجع القُرامطة للهجوم على مكة المكرمة في موسم الحج عام 930م، فدخلوا مكة متظاهرين بأداء فريضة الحج، وما أن دخلوها حتى رفعوا سيوفهم وبدأوا في مهاجمة الحجيج. ونتج عن ذلك قتل اعداد كبيرة من الحجاج وألقوا بجثثهم في بئر زمزم، ونهبوا كسوة الكعبة، وتعرضت المدينة، لمدة إحدى عشر يوماً، للفوضى والنهب والتمشيط. ليس هذا فقط، بل قاموا باقتلاع الحجر الأسود من مكانه المخصص له وحملوه معهم وهم يهتفون:
"أين طير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟"
وقد شكل هذا الحدث صدمة كبيرة لدى المسلمين في كل المعمورة، وأدي ذلك الهجوم البربري الغادر إلى تعطيل موسم الحج لسنوات عديدة.
ولحل القضية سلمياً، عرِضَ المسلمين على القُرامطة الكثير من الأموال كثمن لردّهم الحجر الأسود لكنّهم رفضوا، واستمر معهم 22 عامًا. وعندما شعروا بالتهديد الذي وجّههُ لهم المهدى العلوي الفاطمي، وشعروا أن الخطر أصبح يداهمهم من المسلمين حولهم، خافوا وأعادوا الحجر إلى مكانه في مكة عام 952 م. وكانت نهايتهم على يد المكتفي بالله الذي نجح في القضاء عليهم، بعد أن بعث إليهم جيوشا كبيرة للقضاء عليهم جميعاً.
درس وعبرة
من كل ما تقدم يمكن القول إن "الظاهرة القُرمطية" هي ظاهرة الحادية، استعراضية، اباحية، انتقامية، ومتلونة. بمعنى آخر هي ظاهرة تؤمن بالألحاد معتقداً، وباستخدام القوة وسيلةً، وباستباحة كل ما عند الأخرين هدفاً، وبالانتقام من كل الخصوم عبثاً، وبالقابلية للتلون حسب الظروف والأماكن نفاقاً!
باختصار شديد، القُرامطة هم نموذج من نماذج:
"المفسدون في الأرض"،
يمثلون ظاهرة ثقافيه خبيثة من الصعب القضاء عليها نهائياً، ولكن لابد من محاربتها بكل الطرق الحضارية والسلمية الممكنة.
ختاماً، قد يسال سائل فيقول:
هل يوجد من بيننا قُرامطة اليوم؟
وإن وجدوا فمن هم؟
وهل قُرامطة اليوم هم أحفاد قُرامطة الامس؟!
أترك الإجابة للقاري الكريم!
أخيراُ، لا تنسوا يا أحباب،
أن هذا مجرد رأي،
أعتقد أنه صواب،
فمن أتى براي أحسن منه قبلناه،
ومن اتي براي يختلف عنه احترمناه.
والله المستعان.