Tuesday, February 04, 2020

البدو و الحضر

 البدو و الحضر:
وجهان لعملة واحــدة هي "المدنية"

د. محمــد بالرويـن
البدو والبداوة       
البدو هم أقوام ينتقلون من مكان إلى آخر بمجرد ان يتوقف المكان الذي تركوه عن تقديم حاجاتهم الضرورية، وخصوصا الماء والكلأ للبدو المقيمين في الصحراء. وهم أصحاب الشعر، وفصاحة الكلام، والأمانة، والمروءة، والكرم، والشجاعة، والإيثار وغيرها من القيم والصفات الحميدة، وهم أقوام يعيشون على الفطرة التي خلق الله الانسان عليها، وعلى بساطة الحياة والاعتماد على الذات. ويُفضل البدو السكن في الخيم لسهولة فكها وإعادة بنائها مرةً أخرى، كما هو الحال بالنسبة لحاجياتهم وأمتعتهم فهي ضرورية وقليلة حتى يسهل عليهم نقلها من مكانٍ إلى آخر. وعليه فثقافة البدو ترتكز، في الأساس، على مبادي البساطة والترحال وعدم الاستقرار. وهنا لابد من الإشارة الي ان البدو ليس هم مجرد سكان الصحراء، كما يعتقد البعض، وانما هم كل من يحمل الثقافات التقليدية، والحقيقة ان هناك بعض الحضر الذين يسكنون في المدن، هم في الحقيقة بدو في عقليّتهم وسلوكهم وتصرفاتهم ومعاملتهم.

أما البداوة فهي أسلوب ومنهاج حياة تقوم على علاقات اجتماعية واقتصادية وثقافية مميزة، وقائمة على قيم واعراف وعادات وتقاليد شفوية متوارثة عبر التاريخ، وعلى نظرة فردية للعالم والحياة. ويتميز سكان البداوة ببساطة ومحدودية معرفتهم بالأمور والقضايا العامة، وبذلك تجدهم دائما يتمسكون بعاداتها وتقاليدهم واعرافهم. ويمكن القول ان جُل سلوكيات وأفعال وممارسات البداوة هي قيم جيدة وحميدة، واخلاقيات سامية، ومواقف مُشرفة. وهي من جهة اخري، حياة تتميّز بصعوبة العيش، وقلة الزاد، وكثرة التنقل، والترحال، وعدم الاستقرار. ومن المؤسف ان الكثيرين من العوام وبعضاً من نخب الحضر، هذه الأيام، يحاولون اختزال البداوة في القبلية وربطها بالعصبية المقيتة، واعتبارها مؤسسة تقليدية قديمة يجب التخلص منها من اجل الوصول للحضارة والتمدن! وهنا أجد نفسي متفق مع ما يقوله الاستاذ جعفر حسن في هذا الشأن بان ".. كثيرا ما يخلط الناس في كلامهم عن البداوة بينها وبين القبلية، والحقيقة أن القبلية نظام اجتماعي لتجمع البشر، والنظام القبلي لا يساوي البداوة مطلقا، فالقبلية ظاهرة اجتماعية شاملة للتكوين البشري قبل وأثناء الحضارة ..." (جعفر حسين, 2007). وعليه فالقبيلة هي مؤسسة اجتماعية، كغيرها من المؤسسات الاجتماعية الآخرين، يمكن توظيفها من الصالحين للقيام بالخير، أو استغلالها من الانتهازيين لتحقيق مآربهم الشخصية. 
أهم الخصائص الإيجابية للبدو                                               
 وهنا لابد من الإشارة الي ان للبدو والبداوة خصائص ومزايا إيجابية عديدة للعل من أهمها الآتي:
1. البدو والبداوة أقرب للفطرة والبساطة من الحضر والحضارة.
2. الترابط الاجتماعي بين البدو والبداوة أقوي وأقرب منه بين الحضر وفي الحضارة.
3. البدو أكثر استعدادا لتحمل قساوة الحياة وحرارة وبرودة الصحراء من الحضر.
4. بينما يعتمد البدو على ضروريات الحياة، يهتم الحضر في أحوالهم وعاداتهم على الكماليات والرفاهيات.
5. واجب الضيافة عند البدو أمر مهم وعظيم، واكرام الضيف صفة ملازمة لأهل البداوة وركن أساسي في عاداتهم وتقاليدهم.
6. يقول ابن خلدون بأن "أهل البدو أقرب للخير من أهل الحضر." وفي هذا الصدد يقول: خدوا الخلق الرفيع من البوادي ** فإن النفس يُفسدها الزحام 
وكم فقدت حلالتها قصور** ولم تفقدُ مروءتها الخيام
7. البداوة بالنسبة لابن خلدون هي العمود الفقري لبناء الدول، لأن البدو أشداء وسريعو الحركة والاستجابة والرد. 
الحضر والحضارة                                                          
وفقا لقاموس لسان العرب-  البدو هم ضد الحضر، والبادية خلاف الحاضرة سواءً  من العرب أو سواهم (قاموس المعاني، 2014.( بمعني ان الوجه الآخر للبداوة هو العمران (كما يسميه ابن خلدون), أي الحضارة القائم علي الاستقرار والثبات والوفرة, وعلي العلاقات القائمة علي قواعد وقوانين في اطر الدولة الحديثة. ويعتبر علماء الثقافة السياسية المعاصرين ان اساس الحضارة هو ما يُعرف بــ "الثقافة المدنية،" التي تتميز بمعايير كثيرة لعل من أهمها "قبول المواطنين بسلطة الدولة "، "الإيمان بالمشاركة في الواجبات المدنية", "التداول السلمي علي السلطة" و "حل النزاعات بالطرق السلمية." ولقد تم استخدام مصطلح "الثقافة المدنية" لأول مرة عام 1963, في كتاب قيبرل اللاموند وسيدني فيربا، والذي كان بعنوان: "الثقافة المدنية: السلوك السياسي والديمقراطية في خمس دول."

ولعله من المناسب ان أشير هنا أيضا بانه قد يعتقد البعض أن الهوية البدوية تقتصر على البدو الرحل في الصحراء فقط، ولكن هذا قطعاً ظن خاطئ؛ لأن البداوة قبل أي شيء آخر هي "حالة عقلية" و "ظاهرة نفسية" ترتكز بالدرجة الاولي على الشعور الدائم لشخص ما بالغربة، وضعف الانتماء، وعدم الاستقرار، سواء ان كان هذا الشخص من البدو او من الحضر. فمثلا في العصر الحديث، يمكن القول ان اللاجئ، والمهاجر، والمغترب، والمشرد، وكل من ليس له عمل مستقر في المدن، هم في الحقيقة يعيشون هذه الحالة العقلية والظاهرة النفسية. وعلى سبيل المثال ايضا، نجد اليوم ان الكثير من العمال وبعض الموظفين في المجتمعات الصناعية والتكنولوجية في الدول الغربية مُضطرين الي التنقل وبسرعة من عمل الي آخر، ومن وظيفة الي آخري، بحثا عن أعمال ووظائف جديدة تناسب امكانياتهم وتخصصاتهم وتطلعاتهم. فقد أشارت الاحصائيات السكانية في الولايات المتحدة الامريكية لعام 2010، ان الباحثين عن العمل والوظائف، وخصوصا في القطاع الخاص، يتنقلون في المتوسط من سبع (7) الي عشر (10) وظائف في أماكن مختلفة خلال حياتهم الوظيفية. فهل يمكن ان نطلق على هذه الشريحة من العمال الحضر الذين يقيمون في المدن على انهم بدو؟! وهل يمكن اعتبارهم في الحقيقة كالبدو الرُحل في الصحراء الذين يبحثون عن الماء والكلأ؟ الا تنطبق عليهم ثقافة بدو الصحراء بركائزها الأساسية الثلاث - التنقل والترحال وعدم الاستقرار؟ في اعتقادي المتواضع، نعم انهم "بدو", ولكنهم يمثلون الوجه الآخر للبداوة -- الا وهو "البداوة المعاصرة."      

من كل ما تقدم يمكن ان نستخلص ان الشعور بالبداوة في هذا العصر الرقمي، قد أصبح ظاهرة اجتماعية لا يمكن أخفاها أو تجاهلها، وحالة عقلية خطيرة لم يهتم بها المسؤولين في هذه الدول بعد! وهذا الوضع سيقود حتما، في كثير من الدول الحديثة الي ضعف الهوية الوطنية، وانعدام الانتماء عند الكثير من هؤلاء العاملين والمهنيين في داخل هذه الدول، وأصبح "البدوي المعاصر" ظاهرة تقود في كثير من الأحيان الي المزيد من العزلة واللامبالاة وعدم الاستقرار. وعليه فعلي كل من يريد تأسيس دولة حديثة مدنية ديمقراطية وعادلة، ان يهتم بهذه الشريحة من الشعب، وان يسعي للعدالة والمساواة بين كل المواطنين سوأ كانوا في الصحاري او في القري او في المدن. 
الخاتمة                                                                               
 باختصار شديد، يمكن ان نستخلص مما تقدم الاتي: 
         1. ان الحضر هم مجموعات من البدو الذين فضلوا الاستقرار والتطور، بينما أختار البدو الرحل التمسك بتقاليدهم وعاداتهم القديمة، واختاروا ان يعيش أغلبهم حياة متنقلة وغير مستقرة في مكان واحد بعينه.
          2. ان البدو في الصحاري، في الحقيقة، لا يعارضون الحضر (كما يعتقد البعض)، وانما هم الجزء المُكمل لهم.  
          3. الاعتراف بضرورة وجود البداوة لقيام وتأسيس الدول الحديثة. وفي هذا الصدد يقول ابن خلدون (1332 – 1406 م) في مقدمته بأن: "... البداوة والبدو لهم علاقة قوية في انشاء الدول الجديدة، وفي إحياء الأمم والشعوب...." ويذهب ابن خلدون الي ابعد من دلك باعتقاده أن "البداوة هم أصل الحضارة." بمعني ان البداوة هم أصل الحضر - أي ان أجداد الحضر (أي سكان المدن) كانوا أيضا بدو في وقت سابق قبل أن ينتقلوا للمدن.
          4. الايمان بان البداوة ظاهرة اجتماعية مستمرة عبر تاريخ الدول ومراحل نموها وتطورها. وفي هذا الصدد يقول الاستاد جعفر حسن بانه "... لم يتم إثبات وجود لحظة واحدة تاريخية كانت فيها القبائل العربية تعيش حالة البداوة بشكل مطلق، بل كانت البداوة دائما على أطراف المدنية (الحضارة)"(جعفر حسين, 2007).
          5. ان التمسك والمحافظة على الحياة البدوية في أوطاننا سيساعدنا على فهم تاريخنا وأصولنا، وأيضا فهم طبيعة حضارتنا وتنوعنا وما تمخض عنهما من ثقافات ولغات وتنوع بين القبائل والشعوب. ان الحياة البدوية هي جزء لا يتجزأ من أي حضارة ناجحة ومتطورة. وان الحضارة والبداوة هما نمطان وسلوكان قد نجد كليهما معا في البداوة والحضارة. ويصف الدكتور يحيي جبر هذه الظاهرة كالآتي: "... الحضارة عطاء مادي، والبداوة عطاء أخلاقي، وهما متضادان من جانب، وطرفا ممتد من جانب آخر، يتداخلان ويتصلان، والخير في التوسط بينهما، والأخذ من كليهما باعتدال. وفي عدم تحقيق ذلك، يكمن مشكل العرب في العصر الحديث...." (يحيي جبر, 2009). وتأكيدا على تكامل البدو مع الحضر، يصف الاستاد محمد الأمين الواقع الليبي كالآتي: "... أن التفاعل بين الساحل والصحراء قد كان نعمة على بلدنا ولم يشكل في يوم من الأيام عامل عرقلة أو تعطيل لأي عمل خيّر أو ظاهرة غير إيجابية في ليبيا،" (محمد الأمين , 2019).
         وفي الختام وايمانا بكل ما سبق ذكره، يمكن التذكير بالآتي:
         1. على الانسان المتحضر وكل من يريد تأسيس دولة حديثة مدنية ومتقدمة ان يرفض نظريات الاستعلاء والازدراء للظاهرة البدوية، لان ذلك يتناقض مع كل ما يسعي لتحقيقه. ولابد ان نعي بانه ليس كل البدو أعراب ولا همج ولا جهلة ولا رُعاع كما يحاول بعض الحاقدين والجاحدين تصويرهم.
         2. علينا ان نعي بان مهاجمة الظاهرة البدوية، خصوصا وأخوننا البدو الشرفاء، هي بدون شك مؤشر على "الافلاس القيمي"، وان البيئة التي نعيش فيها هي بيئة تعيش ما يمكن تسميته بــ "ظاهرة القابلية للفساد"، أي بيئة تفتقد لأقل معايير المناعة المطلوبة والكافية لمحاربة القيم الفاسدة والعادات الضارة لقيام الدولة والمحافظة على المجتمع. والمؤسف انه في هذا النوع من الثقافات يسود القول المأثور "السيئة تعم والحسنة تخص،" وتصبح هذه المقولة هي القانون السائد بين الناس، وتغيب القوانين الحقيقية لبناء الدولة وتنهار معالمها. وعليه فالمطلوب الا نتمسك ونفتخر بالقيم والعادات والتقاليد والافعال السيئة سوى ان كانت من الحضر او من البدو. ويجب الا نرفض كل ما هو خير سوى ان كان من البدو او من الحضر.
        3. علينا ان نعترف بان عظمة الشعوب تكمن في اختلافها وتنوعها وخصوصا بين بدوها وحضرها، وشرقها وغربها، وجنوبها وشماله. ويجب ان نؤمن بان القيم البدوية الحقيقية ممزوجة في أعماق تجمعاتنا المدنية، وانه لا يمكن، باي حال من الأحوال، الاستغناء عنها. وان نؤمن أيضا بان البدو والبداوة لن تكون أدوات عرقلة للنمو والتقدم في المجتمعات الحديثة التي تريد ان تتمدن وتنمو وتزدهر.
         4. علينا ان ندرك بان ازدرا البدو او البداوة، أو التقليل من شأنهم، أو وصفهم بما ليس فيهم، هو قطعا دليل على الجهل بحقائق التاريخ، وعلامة من علامات الحقد على أهل البداوة الشرفاء والكرماء. فيكفي البدو شرفا انهم أهل الفصاحة في الكلام، والشجاعة في الميدان، وغيرها من الصفات الحميدة والأخلاق النبيلة.
         5. علينا ان ندرك أيضا ونعترف بان هناك العديد من النواقص والعيوب والصفات السيئة والذميمة في الثقافات البدوية، والمهم هنا الا نُعمم هذه النواقص والعيوب على كل البدو والبداوة. فعلي سبيل المثال، يجب ان نعي بان سيئات أعراب الجاهلية في تلك الفترة من التاريخ لا علاقة لها بالبداوة والبدو عموما، وإنما هي نتاج مرحلة جاهلية، كانت في القري أبرز منها في البادية التي كانت تعيش في الصحراء في تلك الفترة.
         6. يجب الابتعاد على استخدام أسلوب التفضيل في المقارنة بين الحضر والبدو. وان نترك ذلك لكل مواطن في داخل الوطن بان يختار نمط الحياة والعيش التي يرغب فيها. بمعني آخر يجب الا يكون هناك تفضيل للحضر على البدو، ولا للبدو على الحضر، وذلك لانهما – في اعتقادي المتواضع – هما الجناحان اللدان لا يمكن للدولة الحديثة (خصوصا فيما يُعرف بالوطن العربي) ان تطير بدونيهما. وفي هذا الصدد يقول الدكتور يحيي جبر"... إذا كان الاستقرار والتطور والعمران مدخل البشرية إلى الحضارة المادية، فإن الترحال والتنقل والبداوة مدخلها إلى حضارة القيم والأخلاق والمثل،"(يحيي جبر, 2009). هذا يعني انه كلما أستطاع الانسان الجمع بين المادة والقيم الحميدة، كلما تطور وتقدم وازدهر، والعكس صحيح، بمعني كلما أهمل الانسان الجانب القيمي والأخلاقي سيقود ذلك حتما إلى التخلف والحضيض. وبالتالي فعلي الجميع ان يتذكر باننا لن نستطيع بناء الوطن الذي نحلم به جميعا، بدون البدو والحضر معاً، بمعني اخر ضرورة لقاء وتزاوج التطور والعمران مع القيم والأخلاق لقيام الدول وتقدمها. وبالتالي يجب ان ننظر للبدو والحضر على انهما وجهان لعملة واحــدة هي "المدنية" ... فهل هذا في الإمكان يا أحباب؟ ادعو الله عز وجل ان يكون ذلك...
وفي الختام لا تنسوا يا احباب ان هذا مجرد راي، 
فمن أتي براي أحسن منه قبلناه، 
ومن أتي براي يختلف عنه احترمناه. 

والله المســـتعـان.

د. محمـد بالروين
berween@gmail.com
==============
المراجع:
قاموس المعاني، معنى بدو، 29 يناير 2014. نسخة محفوظة 11 مارس 2016 على موقع    واي باك مشين.

العلامة ولي الدين عبد الرحمن بن محمد بن خلدون (2004)، مقدمة ابن خلدون (الطبعة الاولى)، دمشق: دار يعرب، صفحة 244. بتصرّف

أ.د. يحيى عبد الرؤوف جبر, العرب بين البداوة والحضارة, مجلة الثقافة العربية/ ليبيا 1980,  مايو 30, 2009. جامعة النجف الوطني,                https://blogs.najah.edu/staff/yahya-jaber/article/article-116

جعفر حسن، البداوة؟ 21 مايو 2007, نشرت في ديوان العرب،    https://www.di wanalarab.com/spip.php?page=article&id_article=9128

محمد الأمين، تفسخات الحرب الليبية: لمصلحة من الفرز الجديد لليبيين على أساس "البداوة" و"الحضر"؟ 12 ديسمبر 2019 , إيوان ليبيا،

http://ewanlibya.ly/news/news.aspx?id=360941

قيبرل اللاموند وسيدني فيربا (1962):
Almond, Gabriel A., and Sidney Verba. 1963. The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations. Princeton, NJ: Princeton University Press.


Monday, June 24, 2019

رسـالة مفتوحة الي السيد غسان سلامة,

مع السلامة .. يا سلامه 
مع فائق القدير والاحترام

رسـالة مفتوحة الي السيد غسان سلامة,
مبعوث الامم المتحدة ورئيس بعثة الدعم الي ليبيا


24 – 06 – 2019

السيد المحترم غسان سلامة                             
تحية طيبة وبعد       

لقد أستبشر الليبيين خيرا عند بداية قدومك لليبيا وأستلامك لمهمة مبعوث أممي ورئيس لبعثة الدعم الي ليبيا, خصوصا وانك عربي تتحدث لغتهم وتعرف تاريخهم وعايشت تجاربهم السياسية, ولك تجارب عديد لمحاولة حل الصراعات في هذه المنطقة, وخصوصا في لبنان والعراق وسوريا. وبالاضافة لكل ذلك أعتقادهم في:

(أ)
  أنك كمبعوث اممي جديد, تختلف عن الخمس مبعوثين السابقين, وبذلك أنك ستسعي جاداً في مساعدتهم ودعمهم لإيجاد الحلول العملية والمناسبة للتعامل مع التحديات التي تواجههم.

(ب)
  أنك كمبعوث اممي جديد, قد تساعدهم في الوصول الي شاطي الامان, وذلك بالعمل علي إشارك كل الفرقاء السياسيين, والسعي لفتح قنوات التعاون والتشاور بينهم.

(جـ) 
 أنك كمبعوث اممي جديد, تدرك جيداً بأن دورك مُنحصر في مجرد "الدعم" لتحقيق  أهداف ثورة الشعب الليبي التي إنطلقت في 17 فبراير 2011, والتي تهدف بالدرجة الاولي لتحقيق مبادي الحرية والإستقرار والعدالة وقيام دولة ديمقراطية مدنية مزدهرة.

(د)
  أنك كمبعوث اممي جديد, قد أدركت – ومند زياراتك الأولي لليبيا - أن جُل الليبيين قد تعبوا وسأموا من هذه الظروف الصعبة والمُزرية التي يعيشونها هذه الايام, وأصبحوا مستعدين ومُصرين علي الوصول لحلول مناسبة للخروج من هذا الوضع مهما كلف الثمن.

ولكن ... وللأسف الشديد!!!
بدلا من إنتهازك وأستثمارك لهذه الفرص التاريخية والظروف المناسبة للقيام بدورك الحقيقي, والمُكلف به من قِبل الأمم المتحد, وذلك بدعم الجهود المبدولة من النخب الوطنية, ومساعدة كل الليبيين الذين كانوا ينتظرون في أقتراحاتك ومبادراتك, وقيامك بلعب دور الحياد بين كل الاطراف المتنافسة والمتصارعة ومحاولة تقريب وجهات النظر بينها, بدلا من كل ذلك تحولت وبقدرة قاد للإسف الشديد: (أ) من طرف "مُحايد"و "داعم" الي سياسي "مُتحيز!" وتحمل "أجندة خفية." و(ب) من مجرد موظف يمثل الامم المتحدة الي لعب دور "الحاكم الفعلي," بإسلوب فوقي وأملائي! مليء بالوعظ والاشاد والتوجية!

ويبقي السؤال؟ 
                                                                                يبقي السؤال المهم الان – عند جُلّ الليبيين هذه الايام هو: هل فقد السيد غسان سلامة "حياديته" و "مصداقيته" وبذلك أنتهاء دوره كممثل فعلي وحقيقي للإمم المتحدة؟ بمعني آخر هل يستطيع السيد سلامة – بعد أنتهاء هذه الحرب القدرة الدائرة علي أسوار طرابلس, وبعد هذه الأخطاء الكارثية التي أرتكبها في التعامل معها, وبعد ان فقد ثقة الكثيرين من أبناء الشعب الليبي خاص النخب - ان يكون وسيطاً مُحايدا (أي علي مسافة متساوية من كل الاطراف المتصارعة), وداعما لكل الجهود المبدولة لإعادة بناء الدولة, وهل فعلا مستعداً وقادراً علي ان يقف علي مسافة واحدة من كل أطراف النزاع بغض النظر عن أنتمائتهم ومعتقداتهم وعلاقاتهم الداخلية والدولية؟!!

الاجابة
في أعتقادي المتواضع, ومع احترامي الشديد لك يا سيد غسان سلامة, ان الأجابة علي السؤال أعلاه هي - بالنفي. وهذا يعني وبأختصار شديد , انه لم يبق أمامك يا سيادة المبعوث الأممي الا الرحيل. بمعني أخر ان ترحل وتترك المشهد الليبي لليبيين أنفسهم, وذلك لإسباب عديدة لعل من أهمها:

أولا:
 يبدو انك يا سيد سلامة (كغيره من المبعوثين الخمس السابقين للامم المتحدة) لم تكن "جاداً" في السعي لتحقيق السلام والامن والاستقرار في ليبيا بقدر ما كنت تسعي لتحقيق مكاسب شخصية لتضيفها الي سيرتك الذاتية, وبذلك لم تكن مستعدا للعب دور الحياد وعدم الانحيازلإي طرف من اطراف الصراع دون الآخر! وهنا يمكن الاستنتاج بأن جُلّ ما حققه المبعوثين السابقين الذين جاءوا الي مساعدة و دعم الشعب الليبي (بما فيهم انت) – وللإسف الشديد - هو زيادة تعقيد المشهد السياسي والازمة الراهنة وأستمرار الفوضي وارتفاع درجة العدائية والاحتقان بين الفرقاء في الشارع الليبي, وما الهجوم الاخير علي العاصمة طرابلس الا أكبر ذليل علي ما نقول!!

ثانيا:
 عجزك يا سيد سلامة الواضح (أوعلي الأقل عدم جديتك) في إيقاف التدخلات الخارجية السافرة في الشؤون الداخلية الليبية, وخصوصا تدخلات مصر والامارات والسعودية وفرنسا لمساعدة حفتر من جهة, وتدخلات قطر وتركيا في مساعدة بعض القوي السياسية في المنطقة الغربية من جهة آخري!

ثالثا:
 من المؤسف حقا انك يا سيد سلامة قد نسيت (وربما تناسيت) دورك الحقيق "كداعم," وهو الدور المُكلف به رسمياً من قبل الامم المتحدة, وتقمصت –  للإسف -  أدوار آخري كــ: "لعب دور الأستادية" و "الوصاية" والادعاء بأنك تعرف ماهي مصلحة الشعب الليبي أكثر  من الليبيين أنفسهم! وإنطلاقاً من ذلك قامت بإختيار من يجب ان يمثلهم, وكيف يجب ان يكون مستقبلهم!! ولعل محاولتك الفاشلة الآخير في عقد ما أسميته بــ "المؤتمر الجامع" لأكبر ذليل علي ما أقول. فبدلا من ان تُشرك كل شرائح الشعب الليبي الفاعلة علي الارض, حتي ينجح هذا المؤتمر ويكون فعلاً مؤتمر وطنياً جامعاً بكل ما تحمل هذه الكلمة من معني, قامت بتحويل هذا الاجتماع الي مُجرد لقاء سري ومغلق ونخبوي! ليس هذا فقط بل قمت بإختار الأعضاء المدعوين لهذا اللقاء, وحددت عدد أعضائه, ووضعت (دون أستشارة القوي الفاعل) الاجندة التي سيتم مناقشتها فيه, وحددت مكان أجتماعه, وتاريخ ومدة أنعقاده, والاسؤ من كل ذلك هو انك قمت بتوزيع الادوار والمناصب السيادية بين مجموعة صغير من المشاركين الذين تعاونوا معك, وحددت النتائج المتوقعة من هذا اللقاء سلفاً, أذ قامت بإختيار (بالتعاون مع هذه المجموعة السرية الصغير) من سيكون رئيس للمجلس الرئاسي القادم, ومن سيكون رئيسا للوزراء, ومن سيكون القائد العام للجيش الليبي! وأتفقتوا علي يتم تمرير هذه الاجندة في جلسة قصيرة وسريعة وتحت شعار مبدأ "التوافق!" فهل يُعقل هذا الاستخفاف بالشعب الليبي ومُكوناته يا سيد سلامة!!! والحقيقة التي لا جدال فيها انه لولا حماقة حفتر, وقيامه بالهجوم المفأجي علي العاصمة طرابلس قبل موعد إنعقاد هذا المؤتمر الجامع, لتحققت لك يا سيد سلامة ما كانت تحلم به, ولدخلت ليبيا الي مرحلة أنتقالية جديدة لا احد يعرف ماذا ستكون نتائجها النهائية!

رابعا:
  في الوقت الذي هاجمت فيه الطبقة السياسية في ليبيا لمرات عديدة, وإتهمتها بكل أنواع الفساد, وبأنها تنهب في أموال الليبيين وتقوم بأستثمارها خارج ليبيا, وأنها طبقة تسعي من أجل مصالحها الشخصية الضيقة. وان هؤلاء السياسيين الفاسدين متمسكين بمناصبهم لأنها تسمح لهم بنهب الثروة وإستغلالها.  

وفي الوقت الذي قمت فيه يا سيد سلامة بفتح النار على مُتصدري المشهد السياسي وقولك: ".. لا أريد أن أطمئن الفئة الحاكمة؛ أريد أن أطمئن الليبيين بأن مصلحتهم هي النجمة التي تشير إلى كيف أسير.. لا أريد أن أطمئن الطبقة السياسية في ليبيا الي لديها مستوى عالٍ من الفساد، والتقاتل على الكيكة، ومن عدم الاهتمام بمواطنيها الفقراء البؤساء بشكل يندى له الجبين," في هذا الوقت نكتشف بان جُلّ الذين كنت تنوي دعوتهم لمؤتمرك الجامع الذي كان من المفترض ان ينعقد في مدينة غدامس يوم 14 مايو 2019, هم من هذه الطبقة السياسية التي وصفتها بالفساد والانتهازية وتحقيق المصالح الشخصية الضيقة, وتجاهلت السواد الاعظم من أبناء الشعب الشرفاء, وكأن ليبيا في نظرك يا سيد سلامة لم تنجب الا هؤلاء؟ وان الازمة الليبية لا يمكن حلها الا بالتوافق بين هؤلاء!!

الخلاصة
                                                                                          مما ذكرته أعلاه وغيره الكثير, يمكن لكل العقلاء الوصول الي نتيجة واحدة و وحيدة مفادها ان السيد المحترم غسان سلامة, بصفته مبعوث أممي ورئيس لبعثة الدعم في ليبيا, قد فقد مصداقيته بين جُلّ الليبيين وتحول من داعم ووسيط صادق وأمين ومُحايد الي سياسي منحاز لإحد الاطراف المتصارعة وبذلك يكون قد فقد فرصة ثمينة وحيوية لإنهاء المرحلة الانتقالية في ليبيا والمساهمة في إيجاد حل للازمة السياسية وإعادة بناء الدولة الليبية المنشودة... وفي أعتقادي المتواضع, لم يبقي للسيد غسان سلامة المحترم الا خيار مُشرف و وحيد هو مغادرة منصبه مشكورا , وترك القضية الليبية لإبناءها الوطنيين الشرفاء لمحاولة حلها بإنفسهم, وانا علي ثقة بأنهم قادرون علي تحقيق ذلك ...

والله المستعان.

                                                          د. محمـد بالروين

أخر مقالات نشرتها