المصلحون والمفسدون
في المجال السياسي
محمـد بالروين
بداية أقترح على كل من يرغب الخوض في المجال السياسي, ان يسأل نفسه هذا السؤال:
هل السياسة, بالنسبة لك, أداة أم وظيفة؟!
قد يستغرب البعض من هذا السؤال ويعتبرونه سادجاً؟!!
ولكن, في اعتقادي المتواضع, معرفة الاجابة علي هذا السؤال,
ستحدد نوايا السياسي الحقيقية – هل سيكون:
"من المصلحين أم من المفسدين".
وذلك لان الفرق بين
الاداة والوظيفة في المجال السياسي كبير وشاسع وخطير. ولمحاولة فهم الفرق بينهما, بشكل مُختصر وبسيط, لعله من المناسب الاشارة الي أهم الدوافع التي تُحدد سلوكيات السياسي في هذا المجال.
الدوافع
هذا المقال سيرتكز على أهم ثلاث أبعاد لدوافع السلوك السياسي؟!
أولا: الحب أو الكره
الانسان بطبيعته يتحرك في حياته نحو شيء ما, إما لانه يحبه أو بدافع كُرهه له. بمعني أخر, إما انه مندفع في عمله من منطلق الحب الذي هو العطاء والتضحية والفداء, واما انه يكره الاخر ويسعى للابتعاد والرفض والنفور او حتى محاولة التخلص منه.
ثانياً: المصلحة أو المفسدة
المصلحة هي كل ما يجلب الخير ويمنع الشر, اما المفسدة فهي كل ما يسبب الضرر والدمار ويمنع الخير وتحقيق الصلاح للأخرين. وعليه فالانسان يتحرك في حياته نحو شيء ما, إما لان له مصلحة فيه أو لانه يريد أفساده والأساءة له وإلحاق الضرر به.
ثالثاً: الخوف أو التخويف
الخوف هو شعور نفسي داخلي ينتاب شخص ما عندما يتوقع خطر او مكروه, ويدفعه للاستعداد لعمل ما لا يرغب القيام به. أم التخويف فهو تعبير خارجي يقوم به شخص ما لإحداث رُعب وفزع للاخرين وإشعارهم بالخوف والخطر, وإجبارهم على الخضوع لإرادته. وعليه فالانسان بطبيعته يتحرك في حياته نحو شيء ما, إما لانه خائف منه أو انه يريد تخويف الغير به.
في المجال السياسي تحديداً, يُستخدم الخوف من القانون لتحقيق الاستقرار والامن والأمان, وهو قوة ايجابية لأحترام النظام وتحقيق الصالح العام. اما التخويف فهو الجانب السلبي "للخوف", يستخدمه الحاكم (الدكتاتور) لفرض ارادته الشخصية وتهديد كل من يخالف أرائه أو سياساته مهما كانت خاطئة.
بأختصار شديد, يمكن أختزال,
الفرق بين الخوف والتخويف,
في العبارة الآتية:
.. الخوف على" أو "الخوف من ..
وظيفة أم أداة
بمعني كيف ينظر المصلحون والمفسدون للسياسة؟
هل يعتبرونها وظيفة لتحقيق غايات نبيلة ومحددة؟
أم يعتبرونها مجرد أداة لتحقيق مصالحهم الشخصية والانانية؟
الوظيفة - في معاجم اللغة – هي دور او عمل يقوم به شخص ما لتحقيق هدف محدد وواضح, وتعتبر التزاما أو عهدا يجب القيام به. بمعني أخر, هي مهمة ومسئولية, وهي قبل كل شي, تكليف وليست تشريف.
أم الأداة – في معاجم اللغة – فتعني كل ما يمكن أستخدامه أو الاستعانه به لإنجازهدف او غرض معين. بمعني أخر, هي مجرد وسيلة يمكن استخدامها لتحقيق هدف ما.
من هذا الفهم يمكن القول ان هناك فرق واضح بين المصلحين والمفسدين في المجال السياسي, ويمكن أختصاره في:
· ان المصلحين يعتبروا السياسة "خدمة" لتحقيق الخير والصالح العام,
· أما المفسدين فيعتبرونها مجرد "أداة" لتحقيق أغراضهم الشخصية والحصول على اكبر قدر من الغنيمة المتاحة لهم.
ولعل الشكل (1) الآتي يوضح الفرق بين المصلحين والمفسدين ونظرتهم للمجال السياسي وكيفية التعامل معه.
الخلاصة
لعله من المناسب أن اختم هذا المقال بالتذكير أن السياسة في أصلها وطبيعتها،
"كالماء لا لون ولا رائحة لها، وتتلون بلون الأناء الذي توجد فيه".
· فإذا كان الإناء أحمراً ستكون حمراء،
· وإذا كان الإناء أسوداً ستكون سوداء،
· وإذا كان الإناء أبيضاً ستكون بيضاء،
· وإذا كان الإناء قذراً ستكون قذرة, يمارسها مُفسدون, ويستخدمونها كأداة للهيمنة والظلم والاستغلال, وللقضاء على معارضيهم وإسكات خصومهم, وذلك بزرع الكراهية, وتشجيع الفساد, واستخدام التخويف والابتزاز.
فالمفسدون أُناس قذرون, يسعون دائما لتحويل المجال السياسي الي "مستنقع قذر"، تعمه الفوضي, ويسوده الفساد, وتغيب فيه الدولة. وعليه اذا وجد سياسي يحاول
"شيطنة خصمه",
و"تكريه الناس فيه",
و"عرقلة كل الحلول الا اذا كانت لصالحه",
و"تبرير كل تصرفاته",
وشعاره "معى أو ضدى",
وهدفه:
"فاليخسر الجميع ... الا انا",
فاعلم انه سياسي مُفسد, وظالم, ومُخرب, وناشر للفتن والبغضاء بين الناس.
وباختصار شديد, انه سياسي:
"حسود .. حقود .. جحود."
· من جهة اخرى, إذا كان الإناء نظيفاً ستكون السياسة نظيفة يقودها مُصلحون هدفهم خدمة الناس, وتحقيق الاستقرار, ونشر الامن والسلام, وحب الآخرين وتحقيق مصالحهم, ومساعدتهم على تطبيق القوانين واحترامها (للمزيد راجع: بالروين, 2022). بمعني أخر, المُصلح هو سياسي يضحي لخدمة الأخرين ولبناء دولة القانون. وباختصار شديد يمكن القول ان المُصلح هو سياسي:
"خادم .. صادق .. أمين."
في الختام, ان السياسة في جوهرها وظيفة مهمة وضرورية في الحياة الانسانية، ولا يمكن لأي إنسان أن ينجح في حيانه بدونها، وفوق كل ذلك, هي واجب أخلاقي لابد من القيام به لبناء دولة القانون والمؤسسات والعادلة والبحث عن السعادة.
وعليه, يمكن قول, لكي يتخلص الوطن من الفساد والمفسدين وأدواتهم الخبيثة والضارة, لابد ان ياخد المصلحين زمام المبادرة, ويتقدموا الصفوف, وان تكون وظيفتهم المقدسة خدمة الشعب والتضحية في سبيله, تحت شعار:
"خادم القوم سيدهم."
اخيرا، لا تنسوا يا أحباب، أن هذا مجرد رأي,
فمن أتي برأي أحسن منه قبلناه،
ومن أتي برأي يختلف عنه احترمناه.
والله المسـتعـان.
========
المراجع:
محمد بالروين,
دفاعا عن السياسة". موقع عين ليبيا, 20 أغسطس, 2022.