دمقرطة الأمم المتحدة*
ألم يحن الوقت للإصلاح الهيكلي في الأمم المتحدة؟
محمد بالروين
(الجزء 5 من 5)
حاولت في الجزء الأول من هذا المقال تسليط بعض الضوء
على أهم أهداف الأمم المتحدة ومؤسساتها،
وفى الجزء الثاني حاولت مناقشة ضرورة الحفاظ
على الأمم المتحدة مع ضرورة إصلاحها
ومعالجة أهم القضايا التي تسببت في
اختلال توازن القوي العالمية.
وفي الجزء الثالث حاول مناقشة أربع قضايا
أخري تسببت في اختلال توازن القوي العالمية.
وفى الجزء الرابع حاولت الإشارة إلي المحاولات
السابقة لإصلاح الأمم المتحدة، ولماذا فشلت؟!
أما في هذا الجزء الخامس (والأخير)،
سأحاول تلخيص أهم العناصر
في مُقترحي لإصلاح الأمم المتحدة.
مُقترح لإصلاح الأمم المتحدة
ربما نتفق، أن الأمم المتحدة، بقيادة مجلس الأمن الحالي، هي منظمة غير فعّالة وغير عادلة، ولكن كما جادل أحد الباحثين:
"لا ينبغي أن نكسر المرآة
لأنها تعكس صورة أسوأ اليوم
مما كانت عليه في الماضي"
(راجع: الجمعية العمومية, 1998).
مع ذلك، يبقى السؤال مطروحًا:
هل الإصلاح الهيكلي للأمم المتحدة ضروريًا وممكنا؟!
الاجابة، في اعتقادي المتواضع، وفي عبارة واحدة:
نعم الإصلاح ضروري وممكن.
والسؤال: كيف؟
أولاً: ينبغي التسليم بأن إصلاح الأمم المتحدة سيجعلها أقوي وأكثر شرعية.
ثانياً: ينبغي التسليم بأنه إذا لم تُجرى الإصلاحات الآن، فإن أيًا من المسألتين اللتين ناقشتهما أعلاه – أي "اختلال ميزان القوى العالمية" و"إساءة استخدام حق النقض",
لن يتم معالجتهما.
ثالثاً: ينبغي التسليم بأن كل ذلك قد يؤدي إلى أن تسير الأمم المتحدة على خُطى عصبة الأمم، أي حتمية فشلها وغلق أبوابها قريباً، لا سامح الله.
ولكي يكون الإصلاحٍ عملياً وفعّالًا يجب أن يُعالج ست قضايا رئيسية وهي الآتية:
أولاً: تركيبة مجلس الأمن وحجمه
أول مسألة يجب معالجتها لنجاح الإصلاح هي تركيبة مجلس الأمن وحجمه، وهي مسالة تتجلى بوضوح في مختلف مقترحات الإصلاح السابقة. ولكي يكون النظام الدولي الجديد عملياً وفعالاً، يجب أن يقوم على أساس حق جميع الدول المستقلة في المشاركة الكاملة لحماية وتعزيز السلام والاستقرار العالميين.
ثانياً: حق النقض (الفيتو)
المسألة الثانية التي يتعين معالجتها لنجاح أي إصلاح هي ضرورة
مساواة جميع الأطراف سياسيًا، أي يجب ألا يقتصر دور الدول على امتلاك صوت متساوٍ فحسب، بل يجب أن يكون لها أيضًا حق تصويت متساوٍ في عمليات صنع القرار. لذلك لابد من دراسة مفهوم حق النقض (الفيتو).
ويتضح جليًا أنه بعد انتهاء الحرب الباردة عام 1989, وظهور نظام سياسي عالمي جديد، لم يعد من الممكن تبرير استمرار استخدام حق
النقض (الفيتو) بشكل عادل. وفي هذا الصدد، تتباين مواقف الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بين:
1. دول ترفض فكرة حق النقض (الفيتو) لكونه حكرًا على الأعضاء الدائمين، بينما يرفض الأعضاء الدائمون قبول أي قيود على هذا الحق، (للمزيد راجع: ديلي، 1976).
2. دول ترى أن حق النقض (الفيتو) حق غير عادل، وتسعى إلى الحد من نطاقه، وإلى الاستخدام المحدود له. وتطالب، كخطوة أولى، أن يقتصر استخدامه على التدابير المنصوص عليها في الفصل السابع من الميثاق،) للمزيد راجع: الجمعية العمومية, 1996).
3. ودول أخري تؤيد التزاماً أحادياً من جانب الأعضاء الدائمين بالسعي إلى توافق في الآراء في المجلس، وتقييد استخدام حق النقض، وشرح الأسباب المؤدية إلى استخدامه،) للمزيد راجع: الجمعية العمومية, 1999).
ثالثاً: معايير ومؤهلات الدوام
المسألة الثالثة التي يتعين معالجتها هي معايير ومؤهلات الدوام. بمعنى:
1. ماهي معايير تحديد الدول المؤهلة للعضوية الدائمة؟
2. كيف يمكن تحديد الدوام بناءً على معايير هي نفسها غير
دائمة وتتغير بمرور الوقت؟
3. ماهي الآلية التي يمكن بموجبها انتخاب الدول ذات القدرات
المتميزة للمساهمة في الأمن والسلم الدوليين لعضوية المجلس
بوتيرة أكبر أو لفترة أطول من غيرها؟
أما فيما يتعلق بالعضوية غير الدائمة، فمن الضروري الالتزام التام بأحكام المادة 23 من الميثاق، التي تحدد معايير الدول التي تسعى للحصول على مقاعد غير دائمة في المجلس، تنص المادة 23 على أنه:
"عند اختيار أعضاء مجلس الأمن غير الدائمين،
ينبغي للجمعية العامة أن تُولي الاعتبار الواجب
لمساهمة الأعضاء في صون السلم والأمن
الدوليين والتمثيل الجغرافي العادل".
ومن ناحية أخرى، نظرًا لعدم وجود معايير لتحديد الدول المؤهلة للعضوية الدائمة في مجلس الأمن، ينبغي للجمعية العامة أن تُولي الاهتمام لما يلي:
أ. يجب أن تكون العملية عادلة، وألا تُفضي إلى نظام تمييز أسوأ
من النظام القائم.
ب. يجب ربط الدوام وحق التصويت بالالتزامات. ومن بين العناصر
التي يجب مراعاتها عدد سكان الدولة، وحجمها الجغرافي،
وإمكانياتها الاقتصادية، ومساهماتها في حفظ السلام.
جـ. يجب تمثيل جميع المناطق الخمس تمثيلًا عادلًا في العضوية
الدائمة في مجلس الأمن.
د. يجب أن تقع على عاتق الجمعية العامة مسؤولية إعادة النظر
في تركيبة المجلس وبشكل دوري (أي كل 25 إلى 30 سنة).
رابعاً: الانفتاح والشفافية
المسألة الرابعة التي يتعين معالجتها هي انفتاح وشفافية عملية صنع القرار. بمعني يجب أن تكون جميع العمليات في المنظمة متاحة لجميع الأعضاء. فمنذ إنشاء مجلس الأمن عام 1945، تُتخذ جميع قراراته خلف أبواب مغلقة ودون حضور الأعضاء المعنيين. وإلى اليوم، لا تزال المناقشات والمداولات غير مفتوحة لجميع الأعضاء. عليه يتطلب أي إصلاح ناجح انفتاحًا وشفافية في عملية صنع القرار، ويجب إرساء علاقة منهجية بين مجلس الأمن والجمعية العامة، ويجب تطبيق المادة 31 من الميثاق، التي تتعلق بمشاركة الدول غير الأعضاء في مناقشات المجلس.
ولتعزيز الانفتاح وتحسين أساليب عمل مجلس الأمن،
يجب اتخاذ التدابير التالية:
1. يجب أن تكون هناك اجتماعات ومناقشات مفتوحة تسمح
لجميع الدول غير الأعضاء المعنية بالمشاركة في المناقشات.
2. يجب ألا تُستخدم الجلسات المفتوحة فقط لإضفاء الطابع الرسمي على القرارات التي اتُخذت خلف أبواب مغلقة.
3. يجب نشر جدول أعمال المجلس مُسبقًا، مما يتيح وقتًا كافيًا لجميع الأعضاء المعنيين والراغبين في المشاركة في المناقشة.
4. يجب إتاحة جميع مسودات قرارات المجلس قبل مناقشتها في الاجتماعات.
خامساً: غياب المساءلة
المسألة الخامسة التي يتعين معالجتها هي غياب المساءلة. بمعنى
يجب أن يكون جميع الأعضاء مسؤولين عن كل ما يفعلونه، فكلما زادت المساءلة كلما زادت قوة مجلس الأمن. فعلى سبيل المثال، منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، بلغ عدد مرات استخدم حق النقض 293 مرة، كان خلالها المجلس سيد قراراته، والأسوأ من ذلك، لا وجود لسجل رسمي مُفصل يوضح أسباب استخدام حق النقض (الفيتو).
ولإصلاح هذا الخلل يمكن اقتراح ما يلي:
1. يجب على أعضاء مجلس الأمن الالتزام بميثاق الأمم المتحدة واحترامه، وخاصةً الفصلين: السادس المُعنون "التسوية السلمية للنزاعات", والسابع المُعنون "الإجراء المتخذ في حالات تهديد السلم والإخلال به وأعمال العدوان".
2. يجب أن تُلزم كل دولة تستخدم حق النقض (الفيتو) بشرح
أسباب ذلك للجمعية العامة.
3. يجب أن تكون قرارات المجلس خاضعة لحق الطعن من قبل أعضاء مجلس الأمن الآخرين، وللبت النهائي يُعرض هذا الحق على كل من مجلس الأمن والجمعية العامة. ويجب أن يُقرّ قرار الطعن في كلا المجلسين بأغلبية ثلثي (3/2) الأصوات.
4. يجب أن يتطلب أي قرار تتخذه الأمم المتحدة بشأن إعلان الحرب على دولة ذات سيادة أغلبية (4/3) الأصوات في كلا الهيئتين، الجمعية العامة ومجلس الأمن، ولا ينبغي أن يكون لأي دولة حق النقض.
السادسة: المسؤولية المالية
المسألة السادسة (والاخيرة) التي يتعين معالجتها هي الأزمة المالية. لا شك أن النظام المالي للأمم المتحدة بحاجة إلى إصلاح. ولكي تكون حزمة الإصلاح موثوقة وناجحة، ينبغي أن تتضمن:
أولاً: يجب المراجعة الموضوعية لجداول الحصص المقررة، بما
يعكس القدرة الحقيقية للدول الأعضاء على سداد اشتراكاتها.
ثانيا: يجب على الدول الأعضاء سداد اشتراكاتها المقررة بالكامل.
ثالثا: يجب ألا تكون مساهمات الدول الأعضاء مشروطة.
رابعا: يجب حماية استقلالية الأمم المتحدة ومصداقيتها.
الخلاصة
يمكن تلخيص أهم الاقتراحات في هذه المقالة كالآتي:
1. يجب زيادة حجم مجلس الأمن من 15 إلى 26.
2. يجب تحقيق تمثيل جغرافي وأيديولوجي عادل.
3. يجب تمثيل جميع المناطق الخمس بشكل عادل في العضوية الدائمة.
4. يجب ربط الدوام وحق التصويت بالالتزامات.
5. يجب أن تكون الجمعية العامة مسؤولة عن إعادة النظر بشكل شامل في مسألة تكوين المجلس وبشكل دوري كل 25 إلى 30 عامًا.
6. يجب عقد اجتماعات ومناقشات مفتوحة تتيح لجميع الدول غير الأعضاء المعنية المشاركة فيها.
7. يجب على مجلس الأمن الالتزام بميثاق الأمم المتحدة واحترامه، وخاصةً الفصل السادس، والفصل السابع منه.
8. يجب على أي دولة تستخدم حق النقض (الفيتو) أن توضح للجمعية العامة أسباب قيامها بذلك.
9. يجب أن تخضع قرارات المجلس لحق الطعن أمام كل من مجلس الأمن والجمعية العامة. ويجب أن يُقرّ قرار الطعن النهائي في كلا المجلسين بأغلبية ثلثي (3/2) الأصوات.
10. في حالة إعلان الحرب على دولة ذات سيادة، يجب أن يتطلب قرار الحرب أغلبية ثلاثة أرباع (4/3) الأصوات في كل من الجمعية العامة ومجلس الأمن، ولا يجوز لأي دولة أن تمتلك حق النقض (الفيتو).
باختصار شديد، يمكن تحقيق هذا المقترحات بتعديل ميثاق الأمم المتحدة. وبما أن الميثاق يعطي الحق للجمعية العامة في تعديله متى شأت، إذ قامت في الماضي (1996) بتعديل مادتين من هذا الميثاق هما:
المادة (23) المتعلقة بعدد أعضاء مجلس الأمن وتخويل
الجمعية العامة بانتخاب أعضاء غير دائمين في المجلس،
وكنتيجة لذلك تم تعديل المادة 23 بزيادة عدد أعضاء
المجلس من 11 إلى 15 عضوًا.
والمادة (27) المتعلقة بتحديد قواعد التصويت في المجلس،
وذلك بزيادة عدد الأصوات المؤيدة لاتخاذ القرار (بما في ذلك
أصوات الأعضاء الخمسة الدائمين) من سبعة إلى تسعة أعضاء
(للمزيد راجع: الجمعية العمومية, 1996).
وعليه تُشير هذه السابقة القانونية إلى:
· إمكانية وضرورة تعديل الميثاق بما يتناسب
مع الظروف المتغيرة والاحتياجات الجديدة.
· كما تُشير إلى أن هذا التعديل من اختصاص الجمعية العامة وهو حق اصيل لها.
· ويُظهر إمكانية وسهولة إجراء الإصلاح،
ويقترح سُبل وآليات القيام به.
ختاماً، نظرًا للحاجة المُلِحّة للإصلاح الهيكلي في الأمم المتحدة،
فقد آن الأوان أن تتحد كل الدول المحبة للسلام والاستقرار،
لإصلاح وتعزيز النظام الدولي الذي تأسست
من أجله الأمم المتحدة عام 1945,
فقد حان الوقت،
ولا مُبرر للتردد او التأخير.
أدعو الله أن يتحقق ذلك.
أخيراُ، لا تنسوا يا أحباب،
أن هذا مجرد اجتهاد،
أعتقد أنه صواب،
فمن أتى باجتهاد أحسن منه قبلناه،
ومن اتي باجتهاد يختلف عنه احترمناه.
والله المستعان.
=======
المراجع:
*دمقرطة الأمم المتحدة -Democratization of the United Nations
ترجمة مُختصره ومُحدثة لمقالى المنشور في مجلة الشؤون الدولية. المجلد 2، العدد 2 (شتاء 2002)،الصفحات 40-62 , نشر فرانك كاس، لندن.ISSN 1475-3553
https://smallpdf.com/file#s=1a6ce6a0-d436-4ab3-9ed1-d33a1c31bf63
General Assembly /9511, 1998. https://press.un.org/en/1998/19981123.ga9511.html
John Charles Daly, The Future of the United Nations. A Round Table held on November 16, 1976. Sponsored by the American Enterprise Institute for Public Policy, Washington DC.
General Assembly/9151, 1 November 1996; 2. https://press.un.org/en/1996/19961101.ga9151.html
General Assembly/9151, 1 November 1996.
https://press.un.org/en/1996/19961101.ga9151.html
General Assembly/9689, 16 December 1999.
https://press.un.org/en/1999/19991216.ga9689.doc.html
Secretary General/SM/5906, 4 March 1996.
https://press.un.org/en/1996/19960304.sgsm5906.html