Thursday, June 18, 2026

ظاهرة الغموض السياسي

ظاهرة الغموض السياسي

 

د. محمد بالروين

 

في هذا المقال سأحاول تسليط الضوء على "ظاهرة الغموض" وكيف تم إساءة إستخدامها وإستغلالها من قبل السياسيين وخصوصاً سياسيي الدول المتأخرة في ركب التحضر - فبدلاً من توظيفها عند التواصل والتعامل مع أعداهم, قاموا بأستخدامها ضد رفاقهم وانصارهم وشعوبهم, مُستخدمين أساليب أستغلالية وقدّرة وظالمة! ورافعين شعار:

 

"أنا... ومن بعدى الطوفان  و  أذا لم أكن أنا... فلا أحد".

 

والمقصود بـ "ظاهرة الغموض" هنا انها سلوك أنساني غير واضح ويصعب على الاخرين فهمه بسهولة, أما في السياسة فتُستخدم لتجنب الالتزامات الصعبة أوالمُكلفة,   أو لتجنب اتخاذ مواقف حاسمة, أو للتقليل من المساءلة عن إجراءات قادمة.

 

ولكي نفهم هذه الظاهرة, دعونى أؤكد على انها "سلاح ذوحدين", بمعني ليست بالضرورة أنها ضارة, 

أذ يمكن أستخدامها "كأداة" فاعلة ومُثرة اذا تم توظيفها لتحقيق أهداف نبيلة بالاساليب الصحيحة وفي الاوقات المناسب.

 

الركائز                                                                           

لظاهرة الغموض ركائز عديدة ومهمة لابد من فهمها واخدها في الاعتبار عند ممارسة السياسي, لعل من أهمها:

 

أولا: الصمت                                                             

بمعني يجب على السياسي ممارسة ما يُعرف بـ "الصمت الاستراتيجي", أي  عدم اعلان  كل أهدافه وأفكاره وملاحظاته الاستراتيجية للخصم, لتجنب الصدام ولإنتظار الوقت المناسب لطرحها حيث تكتسب قبولاً وتأثيراً أكبر. فالصمت في المواقف الصعبة يُثير العديد من الاسئلة, ويدفع الخصوم للتخمين والتحليل وأضاعة الكثير من الوقت، مما يمنح السياسي قوة  أكبر من قوته الحقيقية, ويساعده في تجنب التورط في نقاشات عامة وغير مجدية، ويساعده على حمايةً مكانته عند المفاوضات أو مواجهة الأزمات.

 

ثانياً: التجنب                                                                                      

بمعني يجب على السياسي تجنب المواضيع المثيرة للجدل لكى لا يقع في "فخ الصراعات", لان هذه المواضيع تؤدي إلى نزاعات وخلافات لا فائدة فيها. وللحفاظ على بيئة سياسية إيجابية وفاعلة يجب ان تكون خالية من المواضيع المُثيرة للجدل. ولتحقيق ذلك على السياسي ممارسة نسبة من الغموض لتجنب تصعيد الصراعات. ولعل خير مثال هو غموض سياسة الولايات المتحدة فيما يتعلق بـ "جزيرة تايوان" لردع الصين عن شنّ هجوم عليها من جهة، وفي  نفس الوقت, منع تايوان من إعلان استقلالها رسميًا.

 

ثالثاً: الخطاب                                                             

المقصود بالخطاب هنا هو "الخطاب المُبهم" – أي كلام أو رسائل تفتقر إلى المحتوي والوضوح، وتحمل معاني غامضة ومتعددة التأويلات. فعلى السياسي, في بعض الاحيان, استخدام هذا النوع من الخطاب وخصوصا عند التعامل مع خصمه أو عدوه أو عند مواجهة التحديات الصعبة في بيئته السياسية. ولعل خير مثال هذه الايام, هو غموض الخطاب الايراني عند التواصل مع أدارة الرئيس الامريكي دونالد ترامت.

 

رابعاً: المناورة                                                                                       

يُتيح الغموض السياسي, وخصوصا في العلاقات الدولية, مجالات عديدة للاستكشاف, ومساحات كبيرة لإعادة التموضع, وبذلك يتمكن السياسي من  تكييف بيئته السياسية وفقًا لاحتياجاته وأهدافه بدلًا من اتباع خطط وقوالب جامدة ومحددة سلفاً.

 

المزايا                                                                                               

للغموض السياسي مزايا عديدة لعل من أهمها الآتي:

1.   المرونة                                                                                

    المقصود بالمرونه هنا هي استراتيجية إتخاد قرارات وبناء تحالفات تستجيب للتحديات السائدة في الدولة أو في المجتمع الدولي, فالمرونه تسمح للسياسي بتكييف برنامجه وأعداد استراتيجيته بناءً على الظروف التى تواجهه بدلاً من التقيد بالتزامات جامدة. وبمعني أخر, هي أستراتيجية تعزز سهولة الحركة من خلال عدم فرض قوالب موحد لكيفية تحقيق الاهداف, وتشجع على اكتشاف أفكار مناسبة وإيجاد حلول جديدة خارجة عن المألوف.

 

2.   الاستمرارية                                                                              

    اذا تم توظيف أستراتيجية الغموض باساليب صحيحة ومناسبة يتمكن السياسي من المحافظة على أستمرار الحوار والتفاوض مع الفرقاء, وتُبقي قنوات التواصل الدبلوماسية مفتوحة حتى عند تعارض المصالح أو حدوت الخلافات.

 

3.   التخفيف                                                                              

    الغموض يُمكن السياسي من استخدام استراتيجية "تخفيف المخاطر" عند شعوره بالخطر, وبذلك يستطيع حماية نفسه من الالتزام بوعود محددة أو اعمال صعبة أو كإجراء استباقي للتقليل من احتمال حدوث مخاطر تضر بمصالح وطنه.

 

4.   التحالفات                                                                        

    التحالفات هنا تعني عملية الجمع بين أفراد أو منظمات أو دول مختلفة للعمل معاً لتحقيق اهداف مشتركة يصعب تحقيقها بشكل فردي. فبممارسة أستراتيجية الغموص يسهل على السياسي المشاركة في بناء تحالفات لتحقيق أهدافه بسهوله. فعلى سبيل المثال في الدول الديمقراطية اليوم, يستخدم السياسيون والاحزاب, برامج عامة ومرنة, خلال حملاتهم الانتخابية, لبناء تحالفات مع الاحزاب والقوي السياسية المنافسة لهم, وذلك لكسب أغلبية الناخبين وخصوصا المعتدلين والمترددين منهم.                                                                     

 

5.   التنوع

بمعني أستخدام أستراتيجية الغموض تعزز التنوع وتخلق بيئة سياسية تحتضن وتُقدّر الاختلافات بين الأفراد والجماعات والاحزاب, وتضمن حصول الجميع على فرص متساوية ومناسبة، وتساعد على تحقيق الاندماج العادل مع الجميع دون تمييز أو تهميش.

 

6.   التمويه                                                           

المقصود بالتمويه هو محاولة استخدام أستراتيجية تتضمن عبارات او أساليب التخفي اللفظي أو السلوكي أو الزمني لتمرير أفكار أو خطط، أو تجنب صدام مباشر، ومن أجل إخفاء النوايا الحقيقية على الخصم. بمعني أخر, يستطيع السياسي استخدام ادوات التمويه في العديد من المواقف, أما للتقريب بين المتنافسين أو لتحييد المتصارعين من خلال رفض الالتزام بأحد جوانب القضية أو لإعطاء انطبعات خاطئة للخصم, ولعل خير مثال على ذلك هذه  الايام, هو قيام السياسيين الايرانيين بتوظيف "عنصر الوقت" لصالحهم وإعطاء مؤشرات خاطئة للأمريكيين, وكأن الايرانيين لديهم صعوبة في أتخاد القرارات, وبذلك لابد ان يقضوا الكثير من الوقت للوصول الي "الرد المناسب" بينهم.

 

العيوب                                                                               

الي جانب المزايا المذكورة اعلاه, لظاهرة "الغموض السياسي", هناك عيوب عديدة, لعل من أخطرها الآتي:

                 

  1. فقدان المصداقية                                                                     المقصود بفقدان المصداقية هو غياب الثقة في السياسي وافكاره ومشاريعه, وعدم القدرة على تصديق ما يقوله ويفعله, وبذلك ينظر أنصاره وحلفاءه عند إستخدامه لأستراتيجية الغموض بالشك والريبة, ويعتبرونه غير موثوق فيه،   كل ذلك يقود الي خيبة أمالهم وانعدام الثقة فيه والسخرية منه.

 

  1. سوء التقدير                                                                                 المقصود بسوء التقدير هو تكوين خصوم وانصار السياسي استنتاجات أو أرأي خاطئة وقراءات غير دقيقة لمواقفه السياسية. بمعني آخر, هو اساءة خصوم وانصار السياسي تفسير الإشارات الغامضة التي يبعتها أو يستخدمها, مما يدفعهم الي تجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها, وينتج عن ذلك تسرعهم في ردود أفعال غاضبة دون حساب للأثار السلبية التى ستتركها على الجميع.

 

  1. ضعف المساءلة

ضعف المساءلة يعني ببساطة غياب أو قصور القدرة على محاسبة الأفراد أو المؤسسات أو الدول عن أفعالها وقراراتها, وهذا يقود الي تهرب السياسي من تحمل نتائج أخطاءه، وخلق بيئة تفتقر للشفافية, وبذلك تكثر فيها التجاوزات وينتشر فيها الفساد. بمعني أخر, ضعف المساءلة يعني عدم أستعداد السياسي لتحمل المسؤولية عن الأفعال والنتائج والقرارات التي يتخدها.

 

  1. التآكل بمرور الوقت                                                                 بمعني ان ظاهرة الغموض السياسي, كغيرها من الظواهر الانسانية الآخري, تتأكل بمرور الزمن وتخسر قوتها وقيمتها, وتجعل السياسة تبدو وكأنها لعبة قديمة خارجة عن سياقها وبيئتها, وبذلك تفقد فعاليتها وتأثيرها. بمعني أخر, ان السياسي لن يستطيع استخدام استراتيجية الغموض بنجاح لفترة طويلة من الزمن.

 

الخلاصة                                                                                                

الغموض, كما ذكرنا اعلاه, هو ظاهرة انسانية طبيعية موجودة في غريزة كل انسان, وتختلف من شخص لإخر في الدرجة (أو النسبة) التي يستخدمها. بمعني اخر, هو غريزة طبيعة بشرية يشترك فيها الجميع بدرجات متفاوته, ومن هذا الفهم يمكن وصف الانسان بانه:

 

"مخلوق غامض بطبعه".

 

مما ينتج عن ذلك, ان تجد لكل فرد في المجتمع, شخصيات عديدة واحياناً متناقضة! فعلي سبيل المثال, تجد الفرد الواحد يتصرف بــ:

·      شخصية معينة عندما يكون مع نفسه (أو لوحده),

·      وشخصية ثانية عندما يكون مع عائلته (أو أقاربه),

·      وشخصية ثالثة عندما يكون مع أصدقاءه (أو أصحابه),

·      وشخصية رابعة عندما يكون مع فرقاءه (أو الغرباء),

·      وشخصية خامسة عندما يتعامل مع أعداءه (أو منافسيه)!

 

والشكل رقم (1) الاتي يوضع الشخصيات الخمس للفرد ودرجة (أو نسبة) الغموض في كل منها.

 

لعل اهم عامل للتفريق بين الشخصيات الخمس هو "دوجة أو نسبة الغموض" التي يستخدمها الفرد في الظرف او الوضع الذي يجد نفسه فيه. ولأهمية هذه "ظاهرة" وضرورتها في حياة الفرد, يجب الا ينطر لها على انها:

·      ظاهرة عبتية,

·      أو انها ظاهرة غريبة,

·      أو انها ظاهرة عادية,

·      أو انها ظاهرة غير ضرورية,

 

بل يجب النظر لها علي انها ظاهرة ضرورية لابد من محاولة فهمها والاهتمام بها, وتوظيفها التوظيف الصحيح والمناسب. وأذا لم يحسن الفرد أستخدامها بالاساليب الصحيحة والمناسبة, ستكون النتيجة عكسية وضارة, وبذلك يصبح ضحية غموضه وفريسة سهلة لخصومه.

 

ولتوضيح هذه الظاهرة أكثر, يمكن تشبيه فائدتها للانسان", بفائدة الملح للطعام وبذلك يمكن القول:

 

"أذا كان القليل من الملح في الطعام ضرورة, فان الكثير منه ضار".

وقياساً على ذلك يمكن القول:

"أذا كان القليل من الغموض للإنسان ضرورة, فان الكثير منه ضار".

 

ختاماً, يجب على كل انسان يريد النجاح في حياته ان يُثقن "فن الغموض" وخصوصاً في كيفية التعامل مع خصومه وأعدائه. فعلى سبيل المثال, كل متابع للسياسات الخارجية والعلاقات الدولية هذه الايام, يلاحظ ان السياسيين والدبلوماسيين الناجحين يفضلوا أن يكونوا "غامضين", ويتحدثوا بمصطلحات دبلوماسية وأساليب غير واضحة لكي يثيروا أنتباه وفضول الآخرين وفي نفس الوقت يسعوا لإرباك منافسيهم وخصومهم, ولتحقيق أكبر قدر من مصالحهم.

واخيراً، لا تنسوا يا أحباب،

ان هذا مجرد اجتهاد،

أعتقد انه الصواب،

فمن أتى باجتهاد أحسن منه قبلناه،

ومن اتي باجتهاد يختلف عنه احترمناه.

 

والله المستعان.

 

No comments:

Post a Comment

أخر مقالات نشرتها